بدأت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن بالمغرب في تطبيق برنامج يتوخى منه تقليص
أعداد المتسولين في الشوارع بإدماجهم في العوائل ومساعدتهم في العثور على مكسب للرزق مشرف. و جاء في معرض حديث السيد الوزير بمناسبة إطلاق البرنامج : "ظاهرة التسول وبائية وتُهين كرامة
المغاربة وحقوق الإنسان وتشوه سمعة البلاد". إلا أن البرنامج المذكور قد لا يؤتي أكله إلم يُدخل في المعادلة تعاون كافة المواطنين.
في ما عدا الدول الاسكندنافية, فلا يخلو مجتمع من شريحة فقيرة تضطر للتكفف من أجل كسب العيش. و هكذا نجد متسولين في باريز و في نيويرك و في موسكو. و عليه فسيبقى تضامن
المواطنين و مساعدتهم لهذه الشريحة ضرورة دينية و أخلاقية. إلا أن في دفع الصدقة يدا بيد تشجيع على استفحال ظاهرة
التسول
الحرفي الغير مبرر, بما فيه من استغلال للأطفال و للمعاقين أحيانا. و من أجل تفادي مثل هذه الانحرافات يمكن, بل المطلوب في نظري, مساعدة الفقراء و المساكين بطريقة مشرفة بواسطة مؤسسات اجتماعية
كتلك الموجودة بطيط مليل معممة على باقي جهات المملكة. تُدفع لها الصدقات من طرف جل بل كل المواطنين, طوعا و بانتظام و بشكل عصري و منظم عن طريق صندوق خاص, بدلا من دفعها
للمتسول يدا بيد. أما الاستمرار في دفع الصدقة يدا بيد فمن شأنه إبطال و إفشال مفعول أي برنامج حكومي في هذا الشأن.
التسول هو تماما كالتجارة, يقع بين طرفين, هما الدافع للصدقة يدا بيد من جهة و المتسول القابض لها من جهة ثانية. فإذا ما انعدم وجود الطرف الأول انعدم وجود الطرف
الثاني. في التجارة ينعدم تاجر منتوج ما إذا ما انعدم تواجد مستهلكه. أما المتسول فسيختفي من الشوارع و كل الأماكن العمومية إذا ما انعدم تماما دافع الصدقة يدا بيد. فلن ينعدم الكسب اليسير و السريع و الوفير بالتسول إلا بالانعدام التام لمموله بدفع الصدقة يدا بيد. و سيظل التسول مستفحلا بالمغرب أو
بغيره ما دام فيه مواطنون مستعدون لدفع الصدقة يدا بيد. فما العمل إدن لمنع التسول المهين لكرامة الإنسان و المشوه لمجتمع
كريم, في حين أن مساعدة المحتاجين مطلوبة بإلحاح دينيا و إنسانيا ؟ كيف يمكن تلبية حاجيات الفقراء و المساكين من دون تفشي ظاهرة التسول بالأزقة و الشوارع و كل الأماكن العمومية ؟ هذا هو السؤال الحقيقي
و الواجب تفكير الجميع فيه.
فلا فائدة في البكاء على الأطلال بتكرار اتهام الحكومات بالتخاذل و التقصير. فمهما فعلت الحكومات في هذا الصدد سيُفشله حتما المواطنون الذين يدفعون الصدقة يدا بيد, لما للتسول من مغريات من كسب سريع و وفير و يسير. تلك الخاصيات تجعل التسول جذابا إلى درجة أنها تشجع بعض المواطنين أحيانا حتى على التخلي عن متاعب الكسب الشريف. فهكذا و في بعض الظروف الحرجة, من مثل الحاجة إلى أموال طائلة من أجل علاج مستعجل, تشجع بعض ذوي الدخل المحدود على طلب إحسان المحسنين. و لما اكتشفوا أن الكسب بالتسول أوفر و أيسر و أسرع من الكسب بعرق الجبين, تخلوا عن كسبهم الكريم من أجل امتهان التسول.
الحل يكمن في نظري, في صناديق التضامن و في كل المؤسسات الاجتماعية الخيرية الموجودة, و التي يشترط في نجاحها شرطان فقط, و هما :
1. تموين المؤسسات الاجتماعية طوعا من طرف تبرعات المواطنين المنتظمة, كبديل عن دفع الصدقة يدا بيد.
فبدلا من دفع الصدقة يدا بيد للمتسولين, يمتنع كل المواطنين عن هذه الممارسة, و يدفعون في المقابل و بانتظام و طوعا لصندوق مؤسسة محمد الخامس للتضامن, عشرة دراهم شهريا. و بما أن هذا الصندوق يحظى بكامل ثقة المواطنين و يعرف بفاعليته في محاربة الهشاشة الاجتماعية, فيمكن أن نجد أكثر من عشرة ملايين متطوع منهم على الأقل يدفعون شهريا لهذا الصندوق مبلغ 000 000 100 درهم. و قد يصل هكذا مقدار التبرع سنويا إلى 000 000 200 1 درهما على الأقل, أي 120 مليار سنتيم, بفضل المساهمة بـ 10دراهم فقط و شهريا لكل مواطن . السيول الجارفة أصلها مجرد قطرات مطر. فأقول على الأقل, لأن المبلغ قد يكون أضعافا مضاعفة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن عدد المساهمين قد يفوق و بكثيرعشرة ملايين مواطن, و أن هناك الكثير منهم ممن سيدفعون أكثر من عشرة دراهم للشهر, و قد يدفعونها دفعة واحدة عن سنة كاملة, كما سنجد من سيدفع لهذا الصندوق حتى أموال زكاته.
و يبقى دفع الصدقة يد بيد فقط لفائدة المعارف من الأقارب و الجيران و غيرهم من الذين قد يصبحون في أمس الحاجة للمساعدة, و لكنهم يتعففون لا عن مد اليد للتسول و لا حتى عن طلب المساعدة من المؤسسات الاجتماعية, و اللذين جاء فيهم قول الله تعالى : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.
و في حالة توفر هذا الحل فإذا ما تقدم أي متسول لطلب الصدقة, يواجَه بعرض وصل دفع الصدقة على أنظاره. و يقال له بأن الصدقة دفعت لهذا الصندوق و عليه التوجه للمؤسسات المختصة لطلب مساعدته. فلا يُحرج حينها المواطن بل يحرج المتسول الذي يصر على التسول رغم وجود المخرج المشرف. و إذا ما توفرت كل هذه المؤسسات بكل هذه الإمكانيات و هذه المخارج المشرفة للمواطنين و للمحتاجين, فحينها ينعدم تماما أي مسوغ للتسول, و حينها يجب أن يكون مذنبا و معرض للمساءلة بحكم القانون, ليس فقط المتسول بل حتى من يشجعه بالدفع له يدا بيد. دفع الصدقة مطلوب و لكن بطريقة مؤسساتية مشرفة للبلاد و للمحتاجين بها.
2. حسن تدبير صندوق التضامن و المؤسسات الاجتماعية.
و يجب أن يكون البحث عن سبل حسن تدبير تلك المؤسسات محط الاجتهاد و النضال حتى لا تتحول إلى ما آلت إليه الجمعية الخيرية بعين الشق بالدار لبيضاء مثلا, و التي تطلب أنقادها تفقد جلالة الملك لأحوالها. لا بد لتدبيرها من ابتكار آليات فعالة تتيح المراقبة و المحاسبة الديمقراطية للجمعيات المشرفة عليها من طرف كل المواطنين المساهمين في تموين الصندوق المذكور, مع ضرورة تمثيلية في تلك المراقبة للمستفيدين من خدماتها من المحتاجين و الفقراء.
فقط بمثل هذا الاقتراح يمكن في رأيي المساهمة في إيجاد حل ناجع ليس لمحاربة التسول بل لمنعه قانونا مع توفير الاستجابة الكاملة لحاجيات المحتاجين بصفة مشرفة. و إلى حين وجود مخرج أفضل من هذا المقترح, لا يصح عدم التفكير فيه جديا و مناقشته جيدا بسبب الشك في تعثر حسن تدبيره أو في احتمال تسلط الانتهازيين عليه. فلكل مشكل حل في حينه.
المصطفى حميمو
تـعـالـيـق