من أهم عناصر التنمية و التقدم في أي بلد هو قوة الإحساس بالتفاؤل المعقول بين كل طبقات سكانه. و أعني بالتفاؤل المعقول ذلك التفاؤل المبني على أساس واقع ملموس يتوفر على كل مقومات الأمل في المستقبل الزاهر. و مثل هذا الإحساس بالأمل في المستقبل هو الذي جعل من أمريكا الشمالية و أوروبا و اليابان دول متقدمة في كل المجالات. و الصين و الهند و كوريا الجنوبية و نمور شرق آسيا, تحدوا اليوم حدوها بنجاح. أما تفشي الإحساس بالتشاؤم بين الناس مع تواجد الواقع المبشر بالخير, من شأنه كبح التنمية بالبلاد و حتى جرها للوراء.
و مغرب اليوم يعرف بحمد الله استقرارا سياسيا لا نظير له بكل العالم العربي و الإسلامي. و حقق منذ بضع سنوات و بفضل سياسات جلالة الملك محمد السادس, قفزة هائلة في أوراش عظمى مهيكلة للمواصلات بكل أنواعها. علينا أن نعلم بأن الطرق و الموانئ و المطارات و المواصلات السلكية و اللاسلكية تعد شرايين الاقتصاد بكل بلد. أية منطقة تفتقر لتلك المواصلات تكون مشلولة فتحرم من خيرات باقي البلاد كما تحرم البلاد من مخزون خيراتها.
و عرف المغرب طفرة في العمران بكل المدن, استفادت منها كل طبقات المواطنين و رفعت من مستوى نوعية عيشها. و من أبرزها كهربة القرى و مدها بالماء الصالح للشرب و فك العزلة عليها. و خرجت و تخرج مدن جديدة من الأرض. و مدن كاملة تضاف إلى ضواحي كل مدن المغرب, بحيث من غاب عن البلد لسنة أو سنتين يجد معالم مدينته أو حيه تغيرت بالكامل. و فكت العزلة عن مناطق شاسعة كانت بعزلتها كأعضاء الجسد المشلولة. فهي تنعم اليوم بخيرات المغرب و ينعم باقي المغرب بخيراتها. و كل ذلك مصحوب ببرامج اقتصادية إستراتيجية محبوكة الدراسة و متقونة في أهدافها و في وسائلها و في متابعتها و في نتائجها, و متعددة و متنوعة. طمأنت تلك البرامج المستثمرين المغاربة و عبأت التوفير الداخلي, و جلبت و لا تزال تجلب استثمارات خارجية هائلة.
و كل التقارير و كل الشهادات من أهل الاختصاص و من كل نخب الفاعلين الاقتصاديين المحليين و الدوليين, تعبر عن مغرب واعد يتحرك بقوة و بتبات و بعزم في الاتجاه الصحيح. الشيء الذي جعل من بين أبناء المهاجرين المغاربة الذين ازدادوا بالمهجر و تربوا فيه و بنوا فيه مستقبلهم, من يرجعون ليستثمرا و ليستقروا بالمغرب, و جل الباقين من ورائهم يفكرون في نفس الشيء. كما أصبح المغرب ملاذا آمنا و جذابا للاستقرار الدائم و العمل و الاستثمار لكثير من الأجانب من أوروبا على الخصوص.
كل ذلك مؤشر على اقتصاد واعد من شأنه خلق مناصب شغل و امتصاص البطالة و الرفع
من مستوى العيش ببلدنا. و لكن و كما أسلفت, فإن تفشي التشاؤم من بين جل المواطنين من شأنه كبح كل تقدم و كل تنمية. جل الناس غير واعين بتلك المقومات الواعدة. لا زالوا يعيشون على مخلفات ظروف سياسية و
اقتصادية و اجتماعية كانت قاسية و صعبة. و مع الأسف الشديد جل الإعلام ببلادنا و كل الإبداعات الفنية تكرس ذلك الإحساس بالتشاؤم من بين المواطنين. الصحافة المكتوبة مثقلة بأخبار الأحداث المثيرة من
جرائم و فساد. و الأعمال الفنية السينمائية و التلفزية كثيرة الحديث عن فساد السياسيين و عن شباب يائس لا يفكر إلا في"الحريك". نعم ليس كل شيء بالمغرب وردي و لكن ليس واقعه سواد في سواد. التركيز على
السلبي من دون الإشارة إلى الإيجابي في واقع بلادنا و من دون الإشادة به كتغطية الغابة بالشجرة.
و لعل ذلك التشاؤم الذي تتسم به التقارير الصحفية و الكتابات الأدبية راجع لسوء وضع بعض الصحفيين و الكتاب المبدعين, الذين من فرط إحساسهم بالغبن يرون الجسم السليم بعين الأصبع المريض. الفرد بالنسبة
للمجتمع كالأصبع بالنسبة للجسم. إذا علم الأصبع المريض أن الجسم سليم, فسيستفيد من قوته و يتماثل للشفاء. أما إذا لم يعي سلامة الجسد فقد تسوء حاله ثم حال ما حوله و حتى حال كل الجسد
السليم. فلا بد إدن لصحفيينا و كتابنا من قدر من الشجاعة للترفع عن شعورهم بالغبن من أجل النظر إلى الجزء المملوء من الكأس بقدر ما ينظرون للجزء الفارغ منه. لا بد لهم من نظرة متوازنة و
معقولة للواقع حتى لا نبخس المجهودات الإصلاحية حقها و لا حق أصحابها فيحبطون.
و البرامج الإعلامية التي تغرد خارج السرب, ببعث الأمل في النفوس و بتحريك الهمم لذا الشباب هي قليلة, و جلها مع الأسف الشديد بالفرنسية, فلا تصل إلى كل المواطنين. و منها بالتلفزة على سبيل المثال :
- Le Maroc en mouvement
- Challenger
-
مشاريع Entreprendre
- EcoEcho
- Eclairage
عل منوال هذه البرامج, نلتمس من الإعلاميين بالسمعي البصري و بالصحافة المكتوبة بالخصوص, تقارير و ملفات
مستفيضة عن كل المشاريع الناجحة, سواء منها بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص. و نريد إعلاما و إبداعات فنية, يكون فيها الأبطال الواجب الاقتداء بهم من طرف شبابنا, ليسوا
فقط أبطال كرة القدم و ألعاب القوى, و إنما des capitaines de l’économie من طينة السيد ميلود الشعبي و غيره, كما
كان Carnegie و Rockefeller و غيرهم بالولايات المتحدة و غيرهم باليابان. على إعلاميينا و فنانينا أن
يُخلصونا بإنتاجاتهم, من تلك النظرة القدحية للمال و لأصحاب رؤوس الأموال.عليهم أن يعلموا, أنه إذا ما تحقق لأي بلد الاستقرار السياسي
مع بنية تحتية قوية, فكل أغنياء العالم نعمة و خير على أهله. الغني في هذه الحالة إما مستهلك أو مستثمر أو كلاهما في أغلب الأحوال, يخلق حتمًا مناصب شغل و يوفر فرص إنتاج للثروات. فلا بد لواقع مقومات
التنمية ببلادنا و لكل نماذج النجاح بها أن تنال حقها في إعلامنا و في فننا حتى نبعث الأمل و التفاؤل المشروع في نفوس الناس و لا سيما في نفوس الشباب منهم, فيرقى ولاؤهم لوطنهم و يقوى طموحهم و
صبرهم و يعلو تفانيهم في عملهم, فتزداد بذلك فرص التنمية و التقدم.
المصطفى حميمو
|
الرأي المخالف الذي له اعتباره و مبرراته المقنعة |
|
كاتبت الإعلامي المعروف السيد رشيد نيني في الموضوع. و لست أدري إن كان هذا هو رده في عموده "شوف تشوف" بجريدة المساء العدد 457 تحت عنوان "أغنية لهذا الشعب", لمن أراد الاطلاع على كامل المقال, و الذي ختمه صاحبه بما يلي :
"فاتركونا نحن الصحافيون المتشائمون القلائل نرسم الأوضاع كما تمليها علينا سوداويتنا، التي ويا للمصادفة العجيبة، نستمدها من محبرة الواقع الأكثر سوادا.
|
|
و جاء في اليوم التالي مقال في نفس الجريدة و في نفس الموضوع, تحت عنوان "مغرب... كاليفورنيا" لمن أراد الاطلاع على كامل المقال لصاحبه سمير شوقي, و من آخر فقراته ما يلي :
"إن من يريد لهذا البلد أن يتقدم للأمام وأن يتخلص من تقارير العار التي تنهال عليه من كل صوب، وأن يكون القاطرة في المنطقة وأن يرقى برصيده البشري، لا يمكن أن يدفن رأسه
في الرمال ولا يمكنه أن يكتفي بالتصفيق والمجاملة والمهادنة... |
تـعـالـيـق